05‏/11‏/2026

هيبة رجل الأمن من هيبة الدولة.. وحماية نشامى الأمن العام مسؤولية وطنية

 


بقلم: محمد شهاب عضيبات

إن هيبة رجل الأمن العام تمثل جزءاً لا يتجزأ من هيبة الدولة وسيادتها، فهو ليس مجرد موظف يؤدي واجباً وظيفياً، بل هو عنوان للنظام العام، ورمز لحماية المجتمع وصون أمن المواطنين وممتلكاتهم. ومن هنا، فإن الاعتداء على رجل الأمن أثناء تأدية واجبه لا يمكن النظر إليه باعتباره اعتداءً على شخص بعينه، بل هو اعتداء على الدولة بمؤسساتها ومكوناتها، وتجاوز على القانون وسيادته.
لقد فقدنا اليوم أحد نشامى الأمن العام، الذي ارتقى شهيدا أثناء أداء واجبه في عمل إرهابي آثم، فيما نسأل الله الشفاء العاجل والتام لزميله المصاب، وأن يحفظ نشامى أجهزتنا الأمنية من كل مكروه. وهي حادثة مؤلمة تستدعي الوقوف أمام جملة من التساؤلات المهمة، وإعادة تقييم بعض الإجراءات والسياسات المتبعة في التعامل مع التهديدات الأمنية، بما يضمن حماية رجل الأمن وتمكينه من أداء واجبه دون تردد أو تقييد غير مبرر.
إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة النظر في الصلاحيات الممنوحة لرجل الأمن في الميدان، ومراجعة التعليمات والإجراءات التي تحكم تدخله عند مواجهة الحالات الخطرة، بحيث يمتلك القدرة على اتخاذ القرار المناسب بالسرعة اللازمة، وفق القانون والضوابط المهنية، وبما يحقق التوازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وحماية الأرواح والأمن العام من جهة أخرى.
ولا بد في هذا السياق من مراجعة مفهوم ما يُعرف بـ«الأمن الناعم»، حتى لا يتحول الحرص على ضبط النفس وانتظار التعليمات في بعض المواقف إلى عامل يحد من سرعة الاستجابة للتهديدات المباشرة. فالأمن الناعم لا يعني إضعاف هيبة القانون أو ترك رجل الأمن في مواجهة الخطر دون أدوات وصلاحيات كافية، بل يعني التعامل الحضاري مع المواطنين، مع الحزم والقدرة على التدخل الفوري عندما تستدعي الضرورة ذلك.
كما أن حماية المجتمع من الإرهاب لا تبدأ عند وقوع الحادث، بل تتطلب عملاً استباقياً متكاملاً، وفي مقدمة ذلك تعزيز دور المرشدين النفسيين والاجتماعيين، وإخضاع الحالات التي تستدعي المتابعة، ولا سيما بعض المفرج عنهم ممن توجد مؤشرات تستوجب ذلك، لدراسة وتقييم مهنيين وفق الأطر القانونية، ومتابعة برامج التأهيل والإصلاح، بما يساعد على الحد من احتمالات العودة إلى السلوك الإجرامي أو تبني الأفكار المتطرفة.
فالإرهاب لا دين له ولا وطن، ولا ينتمي إلى عقيدة سماوية أو قيمة إنسانية، ولا يجوز ربطه بدين أو مجتمع بأكمله. إنه فكر إقصائي يقوم على العنف والكراهية واستباحة الدماء، ويهدد أمن الجميع دون تمييز، الأمر الذي يتطلب مواجهة فكرية وأمنية وتربوية ومجتمعية متكاملة.
ومن الضروري أيضاً إعادة دراسة التشريعات الناظمة للجرائم الإرهابية، والعمل على تطويرها وتشديد العقوبات الرادعة بحق مرتكبي هذه الجرائم، بما يتناسب مع خطورتها وآثارها على أمن الدولة والمجتمع، مع ضمان المحاكمة العادلة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
إن رجل الأمن الذي يقف في الشارع، ويحرس المؤسسات، ويحمي المواطنين، ويواجه المخاطر، يستحق منا جميعاً الدعم والتقدير، كما يستحق أن توفر له الدولة كل الإمكانات والتدريبات والصلاحيات القانونية التي تمكنه من العودة إلى منزله سالماً بعد أداء واجبه.
إننا لا نطالب بتجاوز القانون أو المساس بحقوق المواطنين، بل نطالب بقانون يحمي الجميع، ويمنح رجل الأمن القدرة على حماية نفسه والمجتمع، ويضع حداً لكل من يعتقد أن الاعتداء على رجال الأمن يمكن أن يمر دون مساءلة رادعة.
رحم الله نشمي الأمن العام الذي ارتقى وهو يؤدي واجبه، ونسأل الله الشفاء العاجل لزميله المصاب، وحفظ الله الأردن آمناً مستقراً، وحمى نشامى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، فهم سياج الوطن ودرعه الحصين.

06‏/06‏/2026

العنف المجتمعي إلى أين؟.. أسئلة تبحث عن إجابات وحلول


الصورة تعبيرية 


شهدت  الاردن اليوم  وفي الاسابيع الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في مظاهر العنف المجتمعي بمختلف أشكاله، من القتل و المشاجرات والاعتداءات إلى الجرائم التي كانت في السابق تُعد حالات نادرة واستثنائية. هذا الواقع يفرض تساؤلًا مشروعًا: إلى أين يتجه المجتمع الاردني في ظل هذا التصاعد المقلق؟ وما الأسباب الحقيقية الكامنة وراءه؟
يرى مختصون ومراقبون أن ضعف الوازع الديني يعد أحد أبرز العوامل المؤثرة في انتشار السلوكيات العدوانية، فالقيم الدينية لطالما شكلت رادعًا أخلاقيًا يحث على التسامح وضبط النفس واحترام الآخرين. ومع تراجع هذا الدور لدى بعض الفئات، أصبح اللجوء إلى العنف وسيلة لحل الخلافات بدلًا من الحوار والعقلانية.
كما أن دور الأسرة في التربية لا يقل أهمية عن أي عامل آخر، فالأهل هم المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء قيم الاحترام والانضباط والمسؤولية. وعندما يغيب التوجيه السليم أو تنشغل الأسرة عن متابعة أبنائها، تزداد احتمالية تأثرهم بالسلوكيات السلبية والانجراف نحو العنف.
وفي السياق ذاته، تبقى المدرسة شريكًا أساسيًا في عملية بناء الشخصية، إذ لا يقتصر دورها على التعليم الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى غرس القيم والأخلاق وتعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر اذا اُعطي المعلم صلاحية التربية قبل التعليم. وعندما يضعف الجانب التربوي في المؤسسات التعليمية، ينعكس ذلك سلبًا على سلوك الطلبة داخل المدرسة وخارجها.
ولا يمكن تجاهل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، حيث تسهم بعض المحتويات العنيفة أو المسيئة في نشر ثقافة التقليد، خصوصًا لدى فئة الشباب والمراهقين. فالمشاهد المتكررة للمشاجرات والاستعراضات العنيفة قد تدفع البعض إلى تقليدها بحثًا عن الشهرة أو إثبات الذات.
ومن الأسباب التي تستحق التوقف عندها أيضًا ظاهرة الاغتراب الثقافي، حيث بدأت بعض المجتمعات تفقد تدريجيًا جزءًا من هويتها الثقافية ومنظومتها القيمية الأصيلة، ما أدى إلى تراجع أو اندثار بعض العادات والتقاليد الإيجابية التي كانت تشكل صمام أمان اجتماعيًا، وفي مقدمتها احترام الكبير، وتقدير المرأة، واحترام الجار، والالتزام بقواعد الذوق العام والأخلاق المجتمعية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز تطبيق القانون بعدالة وحزم كأحد أهم أدوات الردع، فسيادة القانون تعزز الشعور بالأمن وتحد من التجاوزات. كما يرى مختصون أن تغليظ العقوبات على الجرائم الخطيرة قد يسهم في الحد من تكرارها ويشكل عامل ردع لمن تسول له نفسه الاعتداء على الآخرين.
ومن بين القضايا التي يثار حولها الجدل باستمرار، مسألة عدم تنفيذ عقوبة الإعدام في بعض الحالات، حيث يعتقد فريق من المختصين أن غياب هذه العقوبة أو محدودية تطبيقها قد يسهم في زيادة بعض الجرائم الخطيرة، بينما يرى آخرون أن معالجة أسباب الجريمة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية تبقى أكثر أهمية من التركيز على العقوبة وحدها. وفي جميع الأحوال، فإن النقاش حول العقوبات يجب أن ينطلق من تحقيق العدالة وحماية المجتمع وردع الجريمة.
إن مواجهة العنف المجتمعي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام، وتنتهي عند مؤسسات الدولة والقانون. فالحفاظ على منظومة الأخلاق والعادات والقيم الأصيلة لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ومجتمعية لحماية الأجيال القادمة وضمان أمن المجتمع واستقراره.
 
✍️ بقلم: محمد شهاب عضيبات ابو اشرف

30‏/05‏/2026

طعنة بحجم وطن: حين يتحول القريب إلى مصدر للأذى النفسي



في الحياة، ليست كل الطعنات تأتي من الأعداء؛ فبعضها يكون أشد إيلامًا حين يأتي من أشخاص ظنّ الإنسان يومًا أنهم السند والأمان.

 وحين يطعنك الأقربون، لا تكون الطعنة عابرة أو مؤقتة، بل تتحول إلى جرح بحجم وطن وذاكرة بحجم دقيقة ؛ وطنٍ من الثقة ينهار فجأة، وذكرى واحدة تبقى عالقة في الوجدان لسنوات طويلة لا تمحوها الأيام.

تُعد صلة الرحم من أسمى القيم الإنسانية والاجتماعية التي حثّ عليها الدين الإسلامي، لما لها من أثر في تعزيز المحبة والتكافل بين أفراد المجتمع. إلا أن هذه القيمة النبيلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة مفتوحة لتحمل الإيذاء النفسي أو القبول بالإساءة تحت أي ظرف كان.

ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى الأقارب باعتبارهم السند الأقرب للإنسان في أوقات الشدة، يجد البعض أنفسهم أمام واقع مختلف، حيث تتحول بعض العلاقات العائلية إلى مصدر للضغوط النفسية والتدخلات غير المبررة والانتقادات المستمرة، بل وقد تصل أحيانًا إلى الحسد أو التشفي أو محاولة التقليل من نجاحات الآخرين.

إن الجرح الذي يتركه الغريب قد يلتئم مع الوقت، أما جرح القريب فيحمل وجهًا آخر من الألم، لأنه يرتبط بذكريات وعلاقات وثقة بُنيت على مدار سنوات.

لذلك يشعر الإنسان أحيانًا أن ما تعرض له لم يكن مجرد موقف عابر، بل طعنة بحجم وطن وذاكرة بحجم دقيقة؛ دقيقة واحدة كفيلة بأن تكشف حقيقة أشخاص ظنهم يومًا الأقرب إلى قلبه.

ويؤكد مختصون في الشأن الاجتماعي أن القرابة لا تمنح أي شخص حق تجاوز الحدود الشخصية أو التدخل في خصوصيات الآخرين، فالعلاقات الصحية تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير والرحمة، وليس على فرض السيطرة أو ممارسة الضغوط النفسية بحجة صلة الدم.

ويرى مراقبون أن الكثير من المشكلات الأسرية تنشأ بسبب غياب الحدود الواضحة بين الأفراد، حيث يعتقد البعض أن القرابة تتيح لهم التدخل في القرارات الشخصية أو مراقبة تفاصيل حياة الآخرين، الأمر الذي يؤدي إلى توتر العلاقات وفقدان الشعور بالأمان النفسي.

وفي مثل هذه الحالات، لا يعني الحفاظ على صلة الرحم الاستمرار في الاحتكاك المؤذي أو السماح بتكرار الإساءة، بل يمكن الاكتفاء بالعلاقات الرسمية التي تحفظ الود والاحترام دون الانخراط في نزاعات أو مواقف تستنزف الطاقة النفسية. فالمطلوب هو التوازن بين الواجب الاجتماعي وحماية الذات من الأذى.

وفي المحصلة، تبقى الأخلاق والاحترام وحسن المعاملة هي المعيار الحقيقي لأي علاقة إنسانية ناجحة، فليس كل من يجمعنا به الدم يملك بالضرورة مكانة في قلوبنا، كما أن الاحترام والوفاء قد نجدهما أحيانًا عند أشخاص لا تربطنا بهم أي صلة قرابة.

 وبين القريب المؤذي والغريب المحترم، تبقى راحة الإنسان النفسية وكرامته فوق كل اعتبار.


✍️ بقلم: محمد شهاب عضيبات ابو اشرف