06‏/06‏/2026

العنف المجتمعي إلى أين؟.. أسئلة تبحث عن إجابات وحلول


الصورة تعبيرية 


شهدت  الاردن اليوم  وفي الاسابيع الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في مظاهر العنف المجتمعي بمختلف أشكاله، من القتل و المشاجرات والاعتداءات إلى الجرائم التي كانت في السابق تُعد حالات نادرة واستثنائية. هذا الواقع يفرض تساؤلًا مشروعًا: إلى أين يتجه المجتمع الاردني في ظل هذا التصاعد المقلق؟ وما الأسباب الحقيقية الكامنة وراءه؟
يرى مختصون ومراقبون أن ضعف الوازع الديني يعد أحد أبرز العوامل المؤثرة في انتشار السلوكيات العدوانية، فالقيم الدينية لطالما شكلت رادعًا أخلاقيًا يحث على التسامح وضبط النفس واحترام الآخرين. ومع تراجع هذا الدور لدى بعض الفئات، أصبح اللجوء إلى العنف وسيلة لحل الخلافات بدلًا من الحوار والعقلانية.
كما أن دور الأسرة في التربية لا يقل أهمية عن أي عامل آخر، فالأهل هم المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء قيم الاحترام والانضباط والمسؤولية. وعندما يغيب التوجيه السليم أو تنشغل الأسرة عن متابعة أبنائها، تزداد احتمالية تأثرهم بالسلوكيات السلبية والانجراف نحو العنف.
وفي السياق ذاته، تبقى المدرسة شريكًا أساسيًا في عملية بناء الشخصية، إذ لا يقتصر دورها على التعليم الأكاديمي فقط، بل يمتد إلى غرس القيم والأخلاق وتعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر اذا اُعطي المعلم صلاحية التربية قبل التعليم. وعندما يضعف الجانب التربوي في المؤسسات التعليمية، ينعكس ذلك سلبًا على سلوك الطلبة داخل المدرسة وخارجها.
ولا يمكن تجاهل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، حيث تسهم بعض المحتويات العنيفة أو المسيئة في نشر ثقافة التقليد، خصوصًا لدى فئة الشباب والمراهقين. فالمشاهد المتكررة للمشاجرات والاستعراضات العنيفة قد تدفع البعض إلى تقليدها بحثًا عن الشهرة أو إثبات الذات.
ومن الأسباب التي تستحق التوقف عندها أيضًا ظاهرة الاغتراب الثقافي، حيث بدأت بعض المجتمعات تفقد تدريجيًا جزءًا من هويتها الثقافية ومنظومتها القيمية الأصيلة، ما أدى إلى تراجع أو اندثار بعض العادات والتقاليد الإيجابية التي كانت تشكل صمام أمان اجتماعيًا، وفي مقدمتها احترام الكبير، وتقدير المرأة، واحترام الجار، والالتزام بقواعد الذوق العام والأخلاق المجتمعية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز تطبيق القانون بعدالة وحزم كأحد أهم أدوات الردع، فسيادة القانون تعزز الشعور بالأمن وتحد من التجاوزات. كما يرى مختصون أن تغليظ العقوبات على الجرائم الخطيرة قد يسهم في الحد من تكرارها ويشكل عامل ردع لمن تسول له نفسه الاعتداء على الآخرين.
ومن بين القضايا التي يثار حولها الجدل باستمرار، مسألة عدم تنفيذ عقوبة الإعدام في بعض الحالات، حيث يعتقد فريق من المختصين أن غياب هذه العقوبة أو محدودية تطبيقها قد يسهم في زيادة بعض الجرائم الخطيرة، بينما يرى آخرون أن معالجة أسباب الجريمة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية تبقى أكثر أهمية من التركيز على العقوبة وحدها. وفي جميع الأحوال، فإن النقاش حول العقوبات يجب أن ينطلق من تحقيق العدالة وحماية المجتمع وردع الجريمة.
إن مواجهة العنف المجتمعي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام، وتنتهي عند مؤسسات الدولة والقانون. فالحفاظ على منظومة الأخلاق والعادات والقيم الأصيلة لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ومجتمعية لحماية الأجيال القادمة وضمان أمن المجتمع واستقراره.
 
✍️ بقلم: محمد شهاب عضيبات ابو اشرف

30‏/05‏/2026

طعنة بحجم وطن: حين يتحول القريب إلى مصدر للأذى النفسي



في الحياة، ليست كل الطعنات تأتي من الأعداء؛ فبعضها يكون أشد إيلامًا حين يأتي من أشخاص ظنّ الإنسان يومًا أنهم السند والأمان.

 وحين يطعنك الأقربون، لا تكون الطعنة عابرة أو مؤقتة، بل تتحول إلى جرح بحجم وطن وذاكرة بحجم دقيقة ؛ وطنٍ من الثقة ينهار فجأة، وذكرى واحدة تبقى عالقة في الوجدان لسنوات طويلة لا تمحوها الأيام.

تُعد صلة الرحم من أسمى القيم الإنسانية والاجتماعية التي حثّ عليها الدين الإسلامي، لما لها من أثر في تعزيز المحبة والتكافل بين أفراد المجتمع. إلا أن هذه القيمة النبيلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة مفتوحة لتحمل الإيذاء النفسي أو القبول بالإساءة تحت أي ظرف كان.

ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى الأقارب باعتبارهم السند الأقرب للإنسان في أوقات الشدة، يجد البعض أنفسهم أمام واقع مختلف، حيث تتحول بعض العلاقات العائلية إلى مصدر للضغوط النفسية والتدخلات غير المبررة والانتقادات المستمرة، بل وقد تصل أحيانًا إلى الحسد أو التشفي أو محاولة التقليل من نجاحات الآخرين.

إن الجرح الذي يتركه الغريب قد يلتئم مع الوقت، أما جرح القريب فيحمل وجهًا آخر من الألم، لأنه يرتبط بذكريات وعلاقات وثقة بُنيت على مدار سنوات.

لذلك يشعر الإنسان أحيانًا أن ما تعرض له لم يكن مجرد موقف عابر، بل طعنة بحجم وطن وذاكرة بحجم دقيقة؛ دقيقة واحدة كفيلة بأن تكشف حقيقة أشخاص ظنهم يومًا الأقرب إلى قلبه.

ويؤكد مختصون في الشأن الاجتماعي أن القرابة لا تمنح أي شخص حق تجاوز الحدود الشخصية أو التدخل في خصوصيات الآخرين، فالعلاقات الصحية تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير والرحمة، وليس على فرض السيطرة أو ممارسة الضغوط النفسية بحجة صلة الدم.

ويرى مراقبون أن الكثير من المشكلات الأسرية تنشأ بسبب غياب الحدود الواضحة بين الأفراد، حيث يعتقد البعض أن القرابة تتيح لهم التدخل في القرارات الشخصية أو مراقبة تفاصيل حياة الآخرين، الأمر الذي يؤدي إلى توتر العلاقات وفقدان الشعور بالأمان النفسي.

وفي مثل هذه الحالات، لا يعني الحفاظ على صلة الرحم الاستمرار في الاحتكاك المؤذي أو السماح بتكرار الإساءة، بل يمكن الاكتفاء بالعلاقات الرسمية التي تحفظ الود والاحترام دون الانخراط في نزاعات أو مواقف تستنزف الطاقة النفسية. فالمطلوب هو التوازن بين الواجب الاجتماعي وحماية الذات من الأذى.

وفي المحصلة، تبقى الأخلاق والاحترام وحسن المعاملة هي المعيار الحقيقي لأي علاقة إنسانية ناجحة، فليس كل من يجمعنا به الدم يملك بالضرورة مكانة في قلوبنا، كما أن الاحترام والوفاء قد نجدهما أحيانًا عند أشخاص لا تربطنا بهم أي صلة قرابة.

 وبين القريب المؤذي والغريب المحترم، تبقى راحة الإنسان النفسية وكرامته فوق كل اعتبار.


✍️ بقلم: محمد شهاب عضيبات ابو اشرف

24‏/05‏/2026

حين كان للكبير مقام… وحين تغيّرت المقاعد قبل القلوب

الصورة تعبيرية

كان احترام الكبير يوماً من ثوابت المجتمع، لا يحتاج إلى قوانين تُفرض ولا إلى لافتات تُرفع، بل كان يُولد مع التربية وينمو مع العادات الأصيلة. كان دخول الكبير إلى المجلس أو الديوان لحظة ينهض فيها الجميع تلقائياً، لا خوفاً ولا مجاملة، بل تقديراً لعمرٍ مضى وتجربةٍ صنعت أجيالاً.

لم يكن صدر المجلس موقعاً يُتنافس عليه، بل كان مكاناً يُترك للكبير عن رضا ومحبة. وكان الشاب يشعر بالفخر إذا تنازل عن مكانه، ويرى في ذلك رفعة لا انتقاصاً. بل إن الجلوس بعيداً وإفساح المجال للكبار كان نوعاً من الأدب الذي يُعلَّم قبل أن يُقال.

وكنا إذا رأينا كبيراً من الحي يحمل حاجاته أو أكياسه، تسابقنا لخدمته، لا لأنّه عاجز، بل لأننا كنّا نردد: "هات يا عم، إحنا أولادك"… كانت تلك العبارة تختصر معنى الانتماء والتكافل والوفاء.

أما اليوم، ففي كثير من المجالس تغيّرت الصورة؛ يتسابق بعض الشباب إلى صدر المجلس، وتجد الكبير يجلس على الأطراف، أو يقف باحثاً عن مكان. وأحياناً لا يكون الخلل في قلة المقاعد، بل في قلة الانتباه إلى قيمة من أمامنا.

لسنا هنا لنهاجم جيلاً أو نمجّد زمناً على حساب آخر، فكل جيل فيه الخير، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: متى أصبح التقدم إلى المقاعد أهم من التقدم في الأخلاق؟ ومتى أصبح بعضنا يرى أن الاحترام يُطلب ولا يُبادر إليه؟

احترام الكبير ليس عادة قديمة انتهى وقتها، بل قيمة تحفظ تماسك المجتمع. الكبير لا يحتاج المقعد بقدر ما يحتاج أن يشعر أن سنوات عمره ما زالت محل تقدير، وأن أبناء اليوم ما زالوا يحملون ما حمله الآباء من أدب ووفاء.

فإذا أردنا أن نعرف أين نقف اليوم، فلنسأل أنفسنا:

هل ما زال الكبير إذا دخل مجلسنا يشعر أنه بين أبنائه… أم أصبح يشعر أنه ضيف في زمنٍ لم يعد يعرفه؟

✍️ بقلم: محمد شهاب عضيبات ابو اشرف