24‏/05‏/2026

حين كان للكبير مقام… وحين تغيّرت المقاعد قبل القلوب

الصورة تعبيرية

كان احترام الكبير يوماً من ثوابت المجتمع، لا يحتاج إلى قوانين تُفرض ولا إلى لافتات تُرفع، بل كان يُولد مع التربية وينمو مع العادات الأصيلة. كان دخول الكبير إلى المجلس أو الديوان لحظة ينهض فيها الجميع تلقائياً، لا خوفاً ولا مجاملة، بل تقديراً لعمرٍ مضى وتجربةٍ صنعت أجيالاً.

لم يكن صدر المجلس موقعاً يُتنافس عليه، بل كان مكاناً يُترك للكبير عن رضا ومحبة. وكان الشاب يشعر بالفخر إذا تنازل عن مكانه، ويرى في ذلك رفعة لا انتقاصاً. بل إن الجلوس بعيداً وإفساح المجال للكبار كان نوعاً من الأدب الذي يُعلَّم قبل أن يُقال.

وكنا إذا رأينا كبيراً من الحي يحمل حاجاته أو أكياسه، تسابقنا لخدمته، لا لأنّه عاجز، بل لأننا كنّا نردد: "هات يا عم، إحنا أولادك"… كانت تلك العبارة تختصر معنى الانتماء والتكافل والوفاء.

أما اليوم، ففي كثير من المجالس تغيّرت الصورة؛ يتسابق بعض الشباب إلى صدر المجلس، وتجد الكبير يجلس على الأطراف، أو يقف باحثاً عن مكان. وأحياناً لا يكون الخلل في قلة المقاعد، بل في قلة الانتباه إلى قيمة من أمامنا.

لسنا هنا لنهاجم جيلاً أو نمجّد زمناً على حساب آخر، فكل جيل فيه الخير، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: متى أصبح التقدم إلى المقاعد أهم من التقدم في الأخلاق؟ ومتى أصبح بعضنا يرى أن الاحترام يُطلب ولا يُبادر إليه؟

احترام الكبير ليس عادة قديمة انتهى وقتها، بل قيمة تحفظ تماسك المجتمع. الكبير لا يحتاج المقعد بقدر ما يحتاج أن يشعر أن سنوات عمره ما زالت محل تقدير، وأن أبناء اليوم ما زالوا يحملون ما حمله الآباء من أدب ووفاء.

فإذا أردنا أن نعرف أين نقف اليوم، فلنسأل أنفسنا:

هل ما زال الكبير إذا دخل مجلسنا يشعر أنه بين أبنائه… أم أصبح يشعر أنه ضيف في زمنٍ لم يعد يعرفه؟

✍️ بقلم: محمد شهاب عضيبات ابو اشرف

هناك تعليق واحد: