30‏/05‏/2026

طعنة بحجم وطن: حين يتحول القريب إلى مصدر للأذى النفسي



في الحياة، ليست كل الطعنات تأتي من الأعداء؛ فبعضها يكون أشد إيلامًا حين يأتي من أشخاص ظنّ الإنسان يومًا أنهم السند والأمان.

 وحين يطعنك الأقربون، لا تكون الطعنة عابرة أو مؤقتة، بل تتحول إلى جرح بحجم وطن وذاكرة بحجم دقيقة ؛ وطنٍ من الثقة ينهار فجأة، وذكرى واحدة تبقى عالقة في الوجدان لسنوات طويلة لا تمحوها الأيام.

تُعد صلة الرحم من أسمى القيم الإنسانية والاجتماعية التي حثّ عليها الدين الإسلامي، لما لها من أثر في تعزيز المحبة والتكافل بين أفراد المجتمع. إلا أن هذه القيمة النبيلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة مفتوحة لتحمل الإيذاء النفسي أو القبول بالإساءة تحت أي ظرف كان.

ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى الأقارب باعتبارهم السند الأقرب للإنسان في أوقات الشدة، يجد البعض أنفسهم أمام واقع مختلف، حيث تتحول بعض العلاقات العائلية إلى مصدر للضغوط النفسية والتدخلات غير المبررة والانتقادات المستمرة، بل وقد تصل أحيانًا إلى الحسد أو التشفي أو محاولة التقليل من نجاحات الآخرين.

إن الجرح الذي يتركه الغريب قد يلتئم مع الوقت، أما جرح القريب فيحمل وجهًا آخر من الألم، لأنه يرتبط بذكريات وعلاقات وثقة بُنيت على مدار سنوات.

لذلك يشعر الإنسان أحيانًا أن ما تعرض له لم يكن مجرد موقف عابر، بل طعنة بحجم وطن وذاكرة بحجم دقيقة؛ دقيقة واحدة كفيلة بأن تكشف حقيقة أشخاص ظنهم يومًا الأقرب إلى قلبه.

ويؤكد مختصون في الشأن الاجتماعي أن القرابة لا تمنح أي شخص حق تجاوز الحدود الشخصية أو التدخل في خصوصيات الآخرين، فالعلاقات الصحية تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير والرحمة، وليس على فرض السيطرة أو ممارسة الضغوط النفسية بحجة صلة الدم.

ويرى مراقبون أن الكثير من المشكلات الأسرية تنشأ بسبب غياب الحدود الواضحة بين الأفراد، حيث يعتقد البعض أن القرابة تتيح لهم التدخل في القرارات الشخصية أو مراقبة تفاصيل حياة الآخرين، الأمر الذي يؤدي إلى توتر العلاقات وفقدان الشعور بالأمان النفسي.

وفي مثل هذه الحالات، لا يعني الحفاظ على صلة الرحم الاستمرار في الاحتكاك المؤذي أو السماح بتكرار الإساءة، بل يمكن الاكتفاء بالعلاقات الرسمية التي تحفظ الود والاحترام دون الانخراط في نزاعات أو مواقف تستنزف الطاقة النفسية. فالمطلوب هو التوازن بين الواجب الاجتماعي وحماية الذات من الأذى.

وفي المحصلة، تبقى الأخلاق والاحترام وحسن المعاملة هي المعيار الحقيقي لأي علاقة إنسانية ناجحة، فليس كل من يجمعنا به الدم يملك بالضرورة مكانة في قلوبنا، كما أن الاحترام والوفاء قد نجدهما أحيانًا عند أشخاص لا تربطنا بهم أي صلة قرابة.

 وبين القريب المؤذي والغريب المحترم، تبقى راحة الإنسان النفسية وكرامته فوق كل اعتبار.


✍️ بقلم: محمد شهاب عضيبات ابو اشرف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق