بقلم: محمد شهاب عضيباتإن هيبة رجل الأمن العام تمثل جزءاً لا يتجزأ من هيبة الدولة وسيادتها، فهو ليس مجرد موظف يؤدي واجباً وظيفياً، بل هو عنوان للنظام العام، ورمز لحماية المجتمع وصون أمن المواطنين وممتلكاتهم. ومن هنا، فإن الاعتداء على رجل الأمن أثناء تأدية واجبه لا يمكن النظر إليه باعتباره اعتداءً على شخص بعينه، بل هو اعتداء على الدولة بمؤسساتها ومكوناتها، وتجاوز على القانون وسيادته.
لقد فقدنا اليوم أحد نشامى الأمن العام، الذي ارتقى شهيدا أثناء أداء واجبه في عمل إرهابي آثم، فيما نسأل الله الشفاء العاجل والتام لزميله المصاب، وأن يحفظ نشامى أجهزتنا الأمنية من كل مكروه. وهي حادثة مؤلمة تستدعي الوقوف أمام جملة من التساؤلات المهمة، وإعادة تقييم بعض الإجراءات والسياسات المتبعة في التعامل مع التهديدات الأمنية، بما يضمن حماية رجل الأمن وتمكينه من أداء واجبه دون تردد أو تقييد غير مبرر.
إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة النظر في الصلاحيات الممنوحة لرجل الأمن في الميدان، ومراجعة التعليمات والإجراءات التي تحكم تدخله عند مواجهة الحالات الخطرة، بحيث يمتلك القدرة على اتخاذ القرار المناسب بالسرعة اللازمة، وفق القانون والضوابط المهنية، وبما يحقق التوازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وحماية الأرواح والأمن العام من جهة أخرى.
ولا بد في هذا السياق من مراجعة مفهوم ما يُعرف بـ«الأمن الناعم»، حتى لا يتحول الحرص على ضبط النفس وانتظار التعليمات في بعض المواقف إلى عامل يحد من سرعة الاستجابة للتهديدات المباشرة. فالأمن الناعم لا يعني إضعاف هيبة القانون أو ترك رجل الأمن في مواجهة الخطر دون أدوات وصلاحيات كافية، بل يعني التعامل الحضاري مع المواطنين، مع الحزم والقدرة على التدخل الفوري عندما تستدعي الضرورة ذلك.
كما أن حماية المجتمع من الإرهاب لا تبدأ عند وقوع الحادث، بل تتطلب عملاً استباقياً متكاملاً، وفي مقدمة ذلك تعزيز دور المرشدين النفسيين والاجتماعيين، وإخضاع الحالات التي تستدعي المتابعة، ولا سيما بعض المفرج عنهم ممن توجد مؤشرات تستوجب ذلك، لدراسة وتقييم مهنيين وفق الأطر القانونية، ومتابعة برامج التأهيل والإصلاح، بما يساعد على الحد من احتمالات العودة إلى السلوك الإجرامي أو تبني الأفكار المتطرفة.
فالإرهاب لا دين له ولا وطن، ولا ينتمي إلى عقيدة سماوية أو قيمة إنسانية، ولا يجوز ربطه بدين أو مجتمع بأكمله. إنه فكر إقصائي يقوم على العنف والكراهية واستباحة الدماء، ويهدد أمن الجميع دون تمييز، الأمر الذي يتطلب مواجهة فكرية وأمنية وتربوية ومجتمعية متكاملة.
ومن الضروري أيضاً إعادة دراسة التشريعات الناظمة للجرائم الإرهابية، والعمل على تطويرها وتشديد العقوبات الرادعة بحق مرتكبي هذه الجرائم، بما يتناسب مع خطورتها وآثارها على أمن الدولة والمجتمع، مع ضمان المحاكمة العادلة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
إن رجل الأمن الذي يقف في الشارع، ويحرس المؤسسات، ويحمي المواطنين، ويواجه المخاطر، يستحق منا جميعاً الدعم والتقدير، كما يستحق أن توفر له الدولة كل الإمكانات والتدريبات والصلاحيات القانونية التي تمكنه من العودة إلى منزله سالماً بعد أداء واجبه.
إننا لا نطالب بتجاوز القانون أو المساس بحقوق المواطنين، بل نطالب بقانون يحمي الجميع، ويمنح رجل الأمن القدرة على حماية نفسه والمجتمع، ويضع حداً لكل من يعتقد أن الاعتداء على رجال الأمن يمكن أن يمر دون مساءلة رادعة.
رحم الله نشمي الأمن العام الذي ارتقى وهو يؤدي واجبه، ونسأل الله الشفاء العاجل لزميله المصاب، وحفظ الله الأردن آمناً مستقراً، وحمى نشامى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، فهم سياج الوطن ودرعه الحصين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق